Monday, June 13, 2011

عليهم !..

لا ادري ان كان الهجوم على الحكومات اصبح الموضة الاكثر رواجاً في هذه الايام، ام ان وراء كل هذه الانتقادات نوايا حقيقية للتغيير في شرقنا الاوسط على اقل تقدير. مهما يكن مادامت هنالك فسحة لحرية التعبير فلندلي بدلونا وليكن الاصلاح من وراء القصد. والفضل في هذه الفسحة للانترنت وحده وليس لسواه، ادامه الله وابقاه.
وقد كان لحكومتنا في العراق نصيبها الاوفر من الانتقاد الشعبي في هذه الموجة الشرق اوسطية العاتية، وبدلا من ان تتعامل معها بموضوعية، اخذت تتمترس في مواضعها الدفاعية على طريقة العسكر، وبدأت تقذف بالتهم هنا وهناك، وتستخدم سلطتها في الاعتقالات والتحذير من الفتنة والاعداء –المتربصين-.
ربما لم يكن في نية الحكومة الحالية في العراق ارتداء عباءة السلطة التي تنطوي على الحل والعقد كما هو معهود في ديارنا، الا ان سوء حظها انها ابتدأت برنامجها السياسي والتنفيذي للفترة الحكومية السابقة بملف القضاء على الارهاب ومن ثم المصالحة، ومنذ ذلك الحين لم تتمكن من التخلص من وحل هذين الملفين، فقد راقها لباس العسكر واعتادت على التحديق بالوجوه وكانها في ساحة معركة مستعره، وان المحيطين بها اما معها او ضدها، الى الان تمارس دور السلطة وفق تعريف السلطة في منهاج التربية المدنية لولدي :" السلطة هي حق استخدام القوة على تصرفات الآخرين" ، الذي يدرس به اليوم.
قد يظن البعض انني حينما أتحدث عن الحكومة انما أقصد رأسها المتمثل برئيس الوزراء -كما اعتاد السياسيون- لغاية في انفسهم. ارجو ان لا يتبادر ذلك الى الذهن، فلست من طلاب المناصب، وليس في شروط المناصب ما ينطبق علي، ولا في قائمة الاحزاب ما يروقها مثلي، -و لكي لا تُرفع ضدي دعوى قضائية بالاساءه-. انما أقصد الجهاز التنفيذي في الدولة، من ابسط موظف الى رأس الحكومة . فمن خلال ابسط مراجعة لاي دائرة حكومية، مستشفى، مدرسة ابتدائية، دائرة مرور او جنسية او حتى ادارة الطب العدلي، فانك ستشعر بجبروت السلطة، وستشعر بالمهانة وذل المواطنة في هذا البلد الذي مسخته الحروب والصراعات وثقافة الكراهية. بل ان الرشوة والوساطة كفت عن فعلها في هذه الاجهزة التي نخرها الفساد الاداري والمالي والاخلاقي واصبحت اكبر هموم المواطن.
الاسوء من ذلك، ان هذا الشعور بالمهانة اصبح جزء من شخصيتنا، واصبح التوسل عادة من عاداتنا حتى خارج العراق، فما ان نخرج من الحدود، نبدأ بالتوسل الذي اعتادته معظم الدول المجاورة واصبحت تستيغه، فالمواطن العراقي خارج العراق مواطن بلا بلد وليس هنالك من يدافع عن حقوقه رغم ازدحام السفارات العراقية في البلدان، ورغم وفرة كوادرها الذي اصبح جل همهم جمع الثروات وتربية البطون "الكروش"، والاستفادة من الفرصة في بناء علاقات شخصية وتجارية لما تبقى من العمر.
بالمحصلة اتمنى ان نعي ان تغيير الواقع لا ينطلق من تغيير الحكومة او رأسها، او بتغيير نظام الحكم ، انما يبدأ التغيير بالشعور بالمسؤلية، مسؤلية الفرد في التصويت واختيار النواب، مسؤولية عدم السكوت على الذل والمهانة، مسؤولية عدم استساغة الفساد والتكيف معه، مسؤولية الوقوف بوجه المسيء ومحاسبته، مسؤولية الابداع والاخلاص كل في عمله، المسؤولية في استيعاب الدروس وتجاوز اخطاء الماضي.

Monday, May 30, 2011

رصد العائدات .. الى أين؟

موضوع رصد العائدات من المواضيع المهمة في الساحة العراقيةاليوم، وقد عملت في كثير من الشركات والمنظمات، وانا على يقين ان اغلب شركاتنا المحلية ليست على علم بالمتحقق المالي لأعمالهم، لأنهم يعملون "على حب الله"، وليس من ضرورة الى التخطيط او التقارير المالية التي اما ستكون مدعاة للقلق او لعيون الحاسدين. ولا تختلف الجهات الحكومية كثيرا عن ذلك رغم وجود نظام حسابي يعمل بموجبه منذ السنين الغابرة القصد من ورائه إبراء ذمة الموظفين العاملين فيها وليس أمرا آخر من أمور التقييم والسيطرة، وغالبا ما يتم الالتفاف على هذا النظام بأساليب وحيل باتت معروفة للجميع.

بعد صدور التقرير الدوري لمنظمة الشفافية العالمية لسنة 2009، والذي يصنف دول العالم حسب شفافيتها، احتل العراق التسلسل 176 من 180 دولة. يعني انه خامس اسوأ دولة ضمن الدول التي شملها التقرير. وكرد فعل (إيجابي) تقدمت الحكومة العراقية بطلب للانضمام الى مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية، وافق مجلس المبادرة على قبول العراق كبلد (مرشح) بتارخ 10 شباط 2010. وسوف يدقق اداء الحكومة العراقية في هذا الملف من حيث الالتزام بالحد الأدنى من المعايير والمبادئ الأساسية للمبادرة في شباط 2012.

بهذا الاتجاه يعمل معهد رصد العائدات النرويجي RWI بمساعدة وتمكين أطراف عديدة من منظمات المجتمع المدني والاتحادات للمساهمة في مراقبة الأداء الحكومي في هذا الجانب، فحسب المبادرة يتوجب على الجهات الحكومية المعنية على نشر تفاصيل العقود المبرمة مع الشركات الأجنبية والتقارير المالية المترتبة عليها، إضافة الى نشر الشركات الأجنبية عينها لتقاريرها المالية المتعلقة بالمدفوعات، ثم يصار الى مطابقة التقارير الصادرة من الجهتين من قبل جهات تدقيق دولية محايدة وبإشراف منظمات المجتمع المدني المحلية.

الآن تعمل العديد من منظمات المجتمع المدني العراقي سوياً لتأخذ جانبا من هذه العملية، فهل ستفلح في كشف المستور؟ لا أريد أن أكون متفائلا، لأن الحكومات مثلها مثل الشركات الكبرى لديها باع طويل في عدم الشفافية، الأمر الذي يجعلها تعمل بمنأى عن المحاسبة، لأن كشف العائدات المتأتية عن تصدير النفط والغاز وبقية الموارد الاستخراجية سيكون الأساس في مراقبة الإنفاق الحكومي وأولوياته. ولا أريد أن أكون متشائما، لأن تحقيق مبادئ الشفافية أمر ليس بالمستحيل، وانه سيعود على الجميع بالنجاح.

في تصوري ان المرحلة المقبلة للعراق ستكون مرهونة بالأداء الاقتصادي بشكل رئيس، والأداء الاقتصادي يتطلب فسح المجال أمام العناصر والمؤسسات التي تمتلك خبرات اقتصادية وطنية كانت أم اجنبية. فالتجربة أثبتت أن نية القائمين على إدارة الحكومة هي الأساس في الاستعانة بالخبرات من أجل تنمية أفضل، ولغاية الآن لا أحد يعلم بمكنون النوايا لدى أصحاب القرار في العراق وسط كل هذه التجاذبات السياسية التي لم يتضح منها سوى الرغبة في الاستحواذ على السلطة والنفوذ رغم فزاعة الديمقراطية التي يختبئ الجميع خلفها.

وفي رأيي المتواضع، ان الفرصة لا زالت سانحة لبناء عراق متقدم، اذا ما كانت النوايا مؤتلفة باتجاه واحد.

الستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد .. منهاج عمل ام نوايا؟

الستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، اربع صفحات، تتضمن رؤية، مهمة ، هدف، اسس بناء الستراتيجية، الاطار العام للخطة الوطنية لمكافحة الفساد، توزيع الاداور بين مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، آلية التنفيذ (8 اسطر).
ليست العبرة في عدد الصفحات او الاسطر ، ولكن هناك جوانب مهمة لا يمكن اغفالها في اعداد الخطط الستراتيجية التي نخرت مسامعنا ولم نرى منها على ارض الواقع الا اليسير.
لا اريد ان ادخل في تحليل جميع النواحي الفنية لهذه الخطة واكتفي بالعام منها. في البداية وبعد فراغي من القراءة لم تفصح الستراتيجية الوطنية عن واضعها. اثار انتباهي كذلك الهدف الموضوع للخطة " حماية حقوق المواطنين وتقديم أفضل الخدمات وتوفير الرفاهية والراحة لهم وحماية المال العام من الهدر والضياع واستغلاله في تحقيق الخطط المعتمدة"، وهو هدف عام غير قابل للتطبيق على المدى القريب. اما فيما يتعلق بتوزيع الادوار، فلا ادري كيف توزع الجهة واضعة الستراتيجية الادوار لمؤسسات خارجة عن سيطرتها، الا اذا كانت من باب الاقتراح والنصح، من بينها دور المؤسسات التعليمية ودور الشباب ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية ودور الاعلام .. الخ، كما نصت الخطة. اما ما يتعلق بالية التنفيذ، "تنفذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد باشراف وتوجيه هيئة النزاهة" -من ذلك يتضح لي ان واضع الستراتيجية هي هيئة النزاهة- "ويتم ذلك من خلال تشكيل فريق من الخبراء المختصين يضم ممثلين من الجهاز المركزي للاحصاء، البنك المركزي العراقي، الاعلام، الجامعات العراقية، القطاع الخاص، منظمة الامم المتحدة بصفة مراقب".
ما ينقص هذه الخطة هوا تحليل  الواقع الحالي للعراق فيما يخص مشاكل الفساد وتحديد اهم مصادره. وما ينقصها ايضا الاهداف الخاصة التي يجب ان تكون محددة، قابلة للقياس، قابلة للتطبيق، واقعية ، محددة بزمن. تنقصها الاليات العملية التي تساهم بتحقيق كل هدف من الاهداف الخاصة. ينقصها الانشطة المرتبطة بجدول زمني وبتوزيع للادوار (داخل المؤسسة المنفذة وليس خارجها). ينقصها الموازنة المالية المطلوبة للتنفيذ. ينقصها خطة للتقييم والسيطرة. ينقصها خطة للمخاطر. ينقصها نظام للتغييرات الطارئة. ينقصصها معايير تساعد في تقييم النجاح. ينقصها الكثير.
الخطط الستراتيجية وضعت لكي تكون منهاج عمل على اساس مؤسساتي وليس على اساس شخصي. يذهب الاشخاص وتبقى المؤسسات، لذا يجب ان تكون الخطط الستراتيجية مدعومة قانونياً ومصادق عليها من جهة تشريعية، وليست مجرد نصوص تستند على قوانين محلية او دولية. يجب ان تمنح الجهة المنفذة الدعم القانوني والمالي للتنفيذ ولا يجب ان تتحمل الجهة واضعة الخطة اعباء تنفيذها لوحدها.
في الختام، لا انفي انه هنالك من الاشخاص من يحمل الحس الوطني في العمل من اجل احداث الاصلاحات المطلوبة. ولكن هذا وحده لا يكفي. المطلوب مواكبة التطور والاستعانة بالخبرات، والتخلي عن الحزبية والتعصب والانانية.

Friday, February 11, 2011

ايها المبادرون .. لاتخيبوا ضننا

تعد المبادرات الاخيرة التي خرجت بها مجموعة من منظمات المجتمع المدني والشخصيات المستقلة على المستوى الوطني من اهم النشاطات التي تبنتها حركة المجتمع المدني (الناشئة) في العراق. واخرها المبادرة المدنية للحفاظ على الدستور. وهي تختلف عن سواها من الانشطة كونها نوعية وتدعو الى مطالب جدية ومهمة، بعيدا عن المديات الاخرى التي انكبت عليها منظمات المجتمع المدني المنتشرة في عموم العراق من نشاطات التوعية والتثقيف. الجديد في هذه المبادرة هي حضور المجتمع المدني في قبال المؤسسات الحكومية والقيام بدورها الحقيقي في مراقبة الاداء الحكومي في جميع المجالات. وقد كان تضامن المنظمات مع بعضها في هذه المبادرة خطوة بالاتجاه الصحيح.
وكالعادة، بدأت المضاعفات الجانبية لهذه المبادرة تطفو على السطح، وقد قرأت في الايام الاخيرة مقالات تنذر بوجود (مؤامرة) ، هذه المؤامرة التي ما انفكت تقظ مضاجعنا في كل خطوة نخطوها، وبأي اتجاه كان. خطابات متشنجة، وانذارات، ووعد ووعيد، وقصص لا تدل على ان منظماتنا قد فهمت الدرس جيدا رغم التجارب القاسية التي مرت ونمر بها. لم نعي بعد مبادئ العمل الجماعي. وانا في حديثي هذا لا اخص جانب واحد من جانبي الجدال الحاصل. فبالمحصلة جدل من هذا النوع كفيل بافشال هذه المبادرة، وسبب مهم لتردد الكثيرين في التضامن مع اية مبادرات وطنية جديدة.
زملائي الاعزاء، يؤخذ علينا باننا مجتمع منقسم، ويجب ان نتحلى بالشجاعة ونعترف بان هذا المأخذ لا يخلوا من صحة. فالحكومة منقسمة، والبرلمان منقسم، واجهزة الدولة نزولا الى المجتمع منقسم بشكل او آخر. -وان كنت محقاً- فان لذلك اسباب تتعلق بعوامل تاريخية تعرض لها المجتمع العراقي على مدى قرون متوالية. وكمتصدين للعمل في مجال الارتقاء بالمجتمع المدني العراقي، يجب علينا الارتقاء بانفسنا اولا والتخلص من عقد: الأنا ، والمؤامرات، والصعود على اكتاف الاخرين، والانفراد بالنجومية، والحصول على منجزات، وما الى ذلك من مصطلحات نتداولها يوميا في تعاملنا مع الاخرين من شركائنا.
لا اريد الدخول في جزئيات الجدال الحاصل. ولكن اريد القول ان الاطراف موضوعة الجدل، تشكل نخبة لا يستهان بها من بناة المجتمع المدني العراقي، ونحن ننظر اليهم بعين الاحترام والتقدير والامتنان، فنرجوا ان لا يخيبوا ضننا، وان يبقوا لنا قدوة حسنة كما عودونا.