لا ادري ان كان الهجوم على الحكومات اصبح الموضة الاكثر رواجاً في هذه الايام، ام ان وراء كل هذه الانتقادات نوايا حقيقية للتغيير في شرقنا الاوسط على اقل تقدير. مهما يكن مادامت هنالك فسحة لحرية التعبير فلندلي بدلونا وليكن الاصلاح من وراء القصد. والفضل في هذه الفسحة للانترنت وحده وليس لسواه، ادامه الله وابقاه.
وقد كان لحكومتنا في العراق نصيبها الاوفر من الانتقاد الشعبي في هذه الموجة الشرق اوسطية العاتية، وبدلا من ان تتعامل معها بموضوعية، اخذت تتمترس في مواضعها الدفاعية على طريقة العسكر، وبدأت تقذف بالتهم هنا وهناك، وتستخدم سلطتها في الاعتقالات والتحذير من الفتنة والاعداء –المتربصين-.
ربما لم يكن في نية الحكومة الحالية في العراق ارتداء عباءة السلطة التي تنطوي على الحل والعقد كما هو معهود في ديارنا، الا ان سوء حظها انها ابتدأت برنامجها السياسي والتنفيذي للفترة الحكومية السابقة بملف القضاء على الارهاب ومن ثم المصالحة، ومنذ ذلك الحين لم تتمكن من التخلص من وحل هذين الملفين، فقد راقها لباس العسكر واعتادت على التحديق بالوجوه وكانها في ساحة معركة مستعره، وان المحيطين بها اما معها او ضدها، الى الان تمارس دور السلطة وفق تعريف السلطة في منهاج التربية المدنية لولدي :" السلطة هي حق استخدام القوة على تصرفات الآخرين" ، الذي يدرس به اليوم.
قد يظن البعض انني حينما أتحدث عن الحكومة انما أقصد رأسها المتمثل برئيس الوزراء -كما اعتاد السياسيون- لغاية في انفسهم. ارجو ان لا يتبادر ذلك الى الذهن، فلست من طلاب المناصب، وليس في شروط المناصب ما ينطبق علي، ولا في قائمة الاحزاب ما يروقها مثلي، -و لكي لا تُرفع ضدي دعوى قضائية بالاساءه-. انما أقصد الجهاز التنفيذي في الدولة، من ابسط موظف الى رأس الحكومة . فمن خلال ابسط مراجعة لاي دائرة حكومية، مستشفى، مدرسة ابتدائية، دائرة مرور او جنسية او حتى ادارة الطب العدلي، فانك ستشعر بجبروت السلطة، وستشعر بالمهانة وذل المواطنة في هذا البلد الذي مسخته الحروب والصراعات وثقافة الكراهية. بل ان الرشوة والوساطة كفت عن فعلها في هذه الاجهزة التي نخرها الفساد الاداري والمالي والاخلاقي واصبحت اكبر هموم المواطن.
الاسوء من ذلك، ان هذا الشعور بالمهانة اصبح جزء من شخصيتنا، واصبح التوسل عادة من عاداتنا حتى خارج العراق، فما ان نخرج من الحدود، نبدأ بالتوسل الذي اعتادته معظم الدول المجاورة واصبحت تستيغه، فالمواطن العراقي خارج العراق مواطن بلا بلد وليس هنالك من يدافع عن حقوقه رغم ازدحام السفارات العراقية في البلدان، ورغم وفرة كوادرها الذي اصبح جل همهم جمع الثروات وتربية البطون "الكروش"، والاستفادة من الفرصة في بناء علاقات شخصية وتجارية لما تبقى من العمر.
بالمحصلة اتمنى ان نعي ان تغيير الواقع لا ينطلق من تغيير الحكومة او رأسها، او بتغيير نظام الحكم ، انما يبدأ التغيير بالشعور بالمسؤلية، مسؤلية الفرد في التصويت واختيار النواب، مسؤولية عدم السكوت على الذل والمهانة، مسؤولية عدم استساغة الفساد والتكيف معه، مسؤولية الوقوف بوجه المسيء ومحاسبته، مسؤولية الابداع والاخلاص كل في عمله، المسؤولية في استيعاب الدروس وتجاوز اخطاء الماضي.